تابع قناة عكاظ على الواتساب
أصبحت شمس نهار القرية ذابلة، وإطلالتها على أودية القرية شاحبة. يبست الغروب والدلوة على الأوتاد؛ وعشّبت عيدان عوارض الآبار؛ وانشغل الأهالي عن طلب الرحمة، بتعليل وتسبيب القحط، الذي لم يمرّ على قريتهم مثله؛ إلا في زمن الحُمريّة؛ ومنهم من قال؛ إلا من يوم دخلت المشعوذة (ماحية) قريتنا محت البركة، واللي في قلبه حثمه على العريفة؛ دفّها عليه وقال؛ الله يسقي زمان شيبته خيران رحمه الله؛ ما كان المطر يونّي ليل الله مع نهاره ومن يوم تشيّخ علينا فقران نشفنا؛ واللي يعزو انقطاع الغيث إلى (المهروش) اللي عوّد عليهم من السفر؛ بشنطه (بِكم) وحدّ الليل يطقّ اصبع، ومرته ترقص وتضرب بالمصقع.
جمع الفقيه الصغار صبح الجمعة، وقال؛ يا حُبّاني استرحموا لنا كمّن ربي ينظر فينا؛ وأبشروا بعدما تعوّدون عليّه بالزبيب واللباب، وحفّظهم الابتهال؛ فانطلقوا بنشوة وامتلأت المساريب باستغاثات براءة صاعدة من النقاء إلى السماء
«يا الله في مطر وسيل؛ يسقي الوادي العليل؛ ويشفي القلب الغليل؛ مدّة الله الكريم؛ ما هي مدات البخيل) والخبثاء الناقمين على العمّ سهيل صاحب الدكان لأنه ما يديّنهم، يضيفون؛ يستحب كهلة سهيل وينزّلها مليل»، وعندما مرّوا ببيت الخطاطة؛ فهدأت أصواتهم؛ وتملكتهم حالة ذهول من هول منظر لم يسبق لهم رؤيته؛ فجارتهم التي حلّت في القرية هي وأمها ووحيدها أبو سنام، ملقيّة ظهرها العاري للشمس، وقاعدة تحجّم أمها، فكّت ممص المحجم من بين براطمها؛ والتفتت عليهم، فانفجعوا من أثر الدم، ونسيوا يشربون من قربتها المعلّقة، وصاحوا في بعضهم؛ اشردوا؛ لا تلحقكم الخطاطة أمها.
عوّدوا على الفقيه؛ تداحشوا على سدة مصراعه، وجغروا «يا فقيه يا فقيه؛ من عطانا الله يعطيه» فبدا عليهم بخريطته؛ وطلب منهم، يفتّحون حثولهم؛ وهو يقبض بيده ويمد سمّ.. سمّ؛ فأقبل عليه ديكان؛ بعطيفه فوق كتفه؛ صفّ بين الورعان وفتح حثله وقال؛ زبّبني يساني ما يساهم؛ ردّ عليه؛ ما فيك صدقة يا ديكان جرمت السدر والغرب بعطيفك لغنمك؛ ما كان للديرة حامي، جرمك الداب الظامي؛ فأقسم ؛ لو ما يزببه ليصفق خريطته بعطيفه وينثر ما فيها للنمل والدجاج، فمدّ له بثلاث قبضات؛ وقال؛ ما بتعلمني اعرفك لا ذكرت بخير، وبعدما ضمن الزبيب واللباب قال؛ إلا بنشدك يا فقيه؛ ذلحين ربي بيمطرك بالورعان، والمطاليق شمطان اللحى ومفتلة الشوارب ما يمطرهم؟ ردّ؛ ما يعزّ على ربنا شيء والورعان ما بعد تحوقوا الذنوب سواتك يا ديكان، ردّ عليه؛ امّا انته يُصلى في طرف ثوبك لا تخليني أعلّم مرتك بالبقرة اللي سرينا عليها أنا وانته وكتفتاها بعمامتك و مقّيت ضرّتها لين اغديتها شلاء وضفعت فوق عمامتك، وضع كفه على فمه؛ مردداً؛ أبتل الله يفشلك إن كان بتفضحني قدام أم المحّالة.
أمطرتْ الغيوم قبل ما تغرب الشمس؛ وأزلة الرعود تهزّ الجبال هزّ، والبروق تخلّي ظلمة البيوت ضحوة؛ وما تسمع إلا الأصوات؛ (عطّها يا بو العطايا؛ م الصباح إلا العشايا)؛ ومما في قلب المذّن؛ يفتح يديه للقُطّار اللي يخرّ فوق رأسه؛ ويرفع نظره إلى السماء؛ ويرفع الصوت لتسمع مرته؛ (يا الله اعطهم لين يغدون كما الكعم فوق وجه السيل يموج بهم من جال إلى جال)، ولم تنقطع السيول ثلاثة شهور؛ وتفقع وجه الأرض بالنجول، ونبت الحبق والخروع والطبّاق والحُرّاق في الطرقات وعلى الجدران، وبارك الله في الأحمية والأودية، وصارت الغنم تغيب في الحيا.
أقبل عليهم من الشرق رعاة، بجلبهم وعيالهم، وحلّوا في شُعبان مجاورة؛ وقال الخرّاز للفقيه؛ يا فقيه قُل لعريفتك الجلّابة عينهم بالربيع؛ وإن كان ما قرعناهم حلّوا في البيت والوادي؛ وزاد؛ ذوله عيال بدوه ياخه ما يحكّ الواحد منهم قفاته إلا بالمشعاب، وتوّهم على بيت العريفة؛ محتزمين بالجنابي؛ وعازمين على المسراح؛ قال العريفة؛ والله يا من يبزّ من عندي قلم، لاغدي ملحه ما يملح، واخلّي عشره ثمان، من صدقكم بتكاوفون شرّابة الدم؟ خلوهم يرعون ويتحمضون؛ ويسقون حلالهم من الكظايم، وبيصدّرون، ويعودون من حيث ما جو، وأضاف «والشقى على الحيله وش يرزاكم أرعو معهم وتحلّبوا واقضموا من اللقط لين تضرسون ولا أطيب من سمرة معهم»، نطّ الفقيه واستقعد قبالته، فلمح العريفة فيه لمحة الشرّ؛ ونشده؛ وشبك لصقت فيّه يا فحمة المرمّد؟ وهرب الخرّاز قائلاً؛ بغدي افلح معي ضيعه؛ وردّ الفقيه؛ الرجاجيل يا عريفة مثل حصى البنا، منهم ربض، ومنهم لزازة؛ علّق عليه مستهزئاً؛ وبتنغيم من رأس خشمه؛ آهو صادق...؛ ايوه.. وانت من ايات فيهم؟ تناول الطاسة ورشف له جغمه، وقال؛ حمانا واشفايانا غدت للرعيان؛ وانت يا كبير القدر والمقام، تحسب ان كل المخاليق يقنون المعروف، فيه من يقناه وفيه من يسلته بين ارجوله، تناول العريفة عمامته واستقام؛ وقال الله لا يجعلك تزيد عن حدّك، برّعناك فوقنا تزرم وتقضم الله يقضم عودك؛ وتحرّك تجاهه ودفعه بيده هامساً؛ قُل عني كذيه، يا بو عقيربان معك فقعة، والناس يتحاشون الفتنة؛ ويدعون الله يسرّها ويقرّها وانت تبغيني أورد جماعتي فوق النار! التقوا بعد العصر في ظُلّة المسيد، ولكي يستثير الشاعر انفعال الفقيه؛ قال؛ ما ودّك يا عريفة نعزم جيراننا رعيان الحلال؟ حكّ العريفة قفاته؛ فعلّق الفقيه؛ هم ونسوانهم، وأضاف؛ ما تشوف العريفة كلما لمح أم البرقع، كنه بارود في ثُمّ المدفع، وغمز للشاعر؛ فبدع؛ (من سرى بالليل الأظلم وهو من غير شونه؛ يلتقي حيّات شوقب وسمّ عقاربه) ضاق العريفة ووقف واستخرج مسبحته من جيبه؛ وحندر في الفقيه وقال؛ ادخلوا مع آذانيه اللي كما محقن السليط، فطلب منه الشاعر يقعد ويتعوّذ من الشيطان؛ ردّ ماني قاعد؛ وأضاف بضيقه وهو معطيهم ظهره (لو كان عنتر قعد بين الهمج لاهمجو به).
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
