مارلين سلوم
مع اقتراب موعد إعلان النتائج النهائية لجوائز «الأوسكار»، نستمتع بمشاهدة أهم الأفلام المرشحة بقوة، والمعروضة في الصالات مثل «بوغونيا» الذي ننصح بمشاهدته وإن كان من النوع الفلسفي الذي يذهب بنا إلى تأمل واقع حياتنا بل واقع كوكبنا الذي يعاني بسبب أفعال البشر. «بوغونيا» المرشح لأربع جوائز ليس فيلماً عادياً ولا مباشراً، وبقدر ما يُمتعك بنقاء وجمال الصورة والطبيعة، بقدر ما يصدمك بمشاهد قاسية وعنف مقصود، حتى يصل بك إلى نتيجة تجعلك تفكر كثيراً في المنظومة التي نعيش فيها، وتصفق له مطولاً وخصوصاً للمخرج يورغوس لانثيموس، وللنجمة إيما ستون التي تستحق بقوة أن تخرج هذا العام ب«أوسكار» وانتصار تاريخي لها.
أفضل فيلم، أفضل ممثلة، أفضل موسيقى تصويرية أصلية، وأفضل سيناريو مقتبس، هذه الجوائز المرشح لها «بوغونيا» فأي منها سيحصد؟ مما لا شك فيه أن مخرجه اليوناني يورغوس لانثيموس يستحق إشادة كبيرة، هو المشهور برؤيته غير التقليدية في الإخراج، يقدم فيلماً يبدو بسيطاً وسهلاً ومباشراً، لكنه في الحقيقة من الأفلام الصعبة والتي تحمل رؤية مميزة سواء في الإخراج أو في العمق الفلسفي لحياة البشر والنظرة الطبقية والرأسمالية وأحوال الكوكب والبيئة، اقتبسه عن الفيلم الكوري الجنوبي الشهير «أنقذوا الكوكب الأخضر» (عام 2003) للمخرج جانغ جون هوان، وهو إنتاج مشترك بين إيرلندا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، وإيما ستون ليست بطلته الرئيسية فقط، بل هي شريكة في الإنتاج أيضاً، ما يجعلها تدخل ترشيحات الأوسكار بفئتين، ولذلك تحمل في رصيدها الفني وهي مازالت في السابعة والثلاثين عاماً سبعة ترشيحات أوسكار. والتعديلات والإضافات التي وضعها لانثيموس تتوافق مع أسلوبه المعروف به في الكوميديا السوداء وفي إدخال الجمهور في متاهات طويلة، علماً أنه في «بوغونيا» لم يبدأ بمتاهة، بل سار بإيقاع يبدو هادئاً لكنه يشعرك بأنه هدوء ما قبل العاصفة، في أسلوب المخرج مزيج من الكوميديا السوداء والعنف بعضه يصلك بالإحساس فقط، والبعض الآخر يصبح عنفاً حقيقياً، وكأنه بركان كان يتهيأ للانفجار ثم تتطاير حممه بكل اتجاه، وشخصيات لانثيموس تتحرك كما لو أنها تأتي من خارج الزمن، وتعيش في أماكن تبدو مأهولة وغير مأهولة، سكون وكأنها حياة مجمّدة.
نحل، زهور، وصوت يحكي العلاقة بينهما، وكيف تقوم النحلة بتلقيح الزهور وبأخذ الغذاء منها وتحويله إلى عسل، وكيف تعمل الخلية إلى أن تقرر النحلات العاملة هجرة الخلية وترك الملكة وحدها أو مع قلّة قليلة من العاملات معها، ثم يخبرنا عن الأمراض التي تصيب النحل وما يسببه الإنسان لها بسبب تلوث البيئة والمبيدات والمواد الكيماوية.. «هكذا خططوا لجعلنا مثل النحل تماماً.. مستعمرة ميتة، متبعثرة كذرات في اتجاهات لا تحصى بحيث يستحيل إيجاد طريق للعودة مجدداً». هنا يبدأ الربط في عقل الجمهور بين هذه المقدمة وما ينتقل إليه الفيلم من أحداث.
تصفية الذهن
يجمع المخرج بين بطليه في لقطات يعرفنا من خلالهما إلى عالمين متناقضين متقاربين، تيدي جاتز (جيسي بليمنز) مربّي نحل بسيط، يعيش في بيت ريفي متواضع، يتناول فطوراً مكتمل العناصر الغذائية الصحية، ويمارس تمارين لتقوية عضلاته وبنيانه الجسدي مع القليل من اليوغا لتصفية الذهن، بينما ميشيل فولر (إيما ستون) تعيش في فيلا حديثة وكل ما فيها متطور، تعتمد على المكملات الغذائية ومجموعة حبوب من الفيتامينات، تمارس اليوغا وتمارين الدفاع عن النفس بمساعدة مدرب خاص، تعتني ببشرتها وكل ما ترتديه من ملابس وحذاء وحقيبة باهظة الثمن، وكذلك سيارتها الفخمة التي تقودها متجهة نحو عملها بشكل روتيني.
تلك اللقطات تضعك مباشرة أمام مقارنة بين عالمين متناقضين، لكنهما يتشابهان في ترتيبهما وروتينهما مع اختلاف المستوى، أي أننا أمام طبقتين مختلفتين في مجتمع واحد، طبقة الرأسمالية والطبقة العاملة البسيطة، ولاحقاً يتسع إطار التضاد والتلاقي بينهما، ونظرة كل منهما للأخرى، والاستنتاج الذي يقودنا إليه الفيلم. ما يجمع بينهما ليست هذه المشاهد فقط، بل نعلم لاحقاً أن تيدي يعمل في نفس شركة الأدوية الشهيرة التي تديرها ميشيل فولر.
يستعين تيدي بقريبه دون (إيدان دلبيس) الذي يبدو أنه مصاب بالتوحد، ليساعده على تحقيق العدالة وإنقاذ الكوكب، حيث يؤمن بأن الحياة على الأرض تزداد سوءاً تدريجياً نتيجة لغزو فضائي، والدليل مرض والدته الذي أدخلها في غيبوبة وهي بين الحياة والموت في المستشفى، والفقر الذي يعم مجتمعه، والأكثر دلالة من وجهة نظره هو موت النحل والمزروعات. ويجري أبحاثاً ويستعين بالإنترنت ليصل إلى «حقيقة مؤكدة» من وجهة نظره، تفيد بأن ميشيل فولر هي كائن فضائي متنكر في هيئة بشرية، فيخطط لاختطافها وحلق شعرها فوراً، لأن الشعر هو الوسيلة الوحيدة لتواصلها مع كوكبها الخاص، وقبل تنفيذ المهمة، يقوم بتدريب دون، وغسل دماغه بنظرية المؤامرة والكائنات الفضائية وضرورة حماية الأرض والناس والنحل، وأنه جعل من بيته مقراً للمقاومة البشرية.. كل الاستعدادات والتجهيزات التي يقوم بها تيدي تدل على تفكير مرَضي، لكن خلف كلامه وأفكاره دلالات ترتبط بواقعنا الحالي، فهو يخبر قريبه دون بتفاصيل الخطة ويشرح له ضرورة الامتناع عن استعمال هواتفهما وجهاز التلفزيون وأي وسيلة أخرى من أجل تصفية الذهن ومن أجل منع أي جهة من الوصول إلى مقرهما ومعرفة خطتهما، وهو إسقاط حقيقي لواقع «التجسس».
مخلوق فضائي
ميشيل فولر مديرة صارمة، بطبيعتها تبدو جامدة وكأنها آلة مبرمجة، ما يجعل فكرة كونها مخلوقاً فضائياً أقرب إلى التصديق، ينجح تيدي ودون في اختطافها ثم يبدأ تيدي في تعذيبها لانتزاع اعتراف منها بأنها مخلوق فضائي ويطلب منها أن تتواصل مع مركبتها لإقناع «الإمبراطور» بترك البشرية والأرض بسلام، تحاول ميشيل استخدام ذكائها وهدوء أعصابها لتتحكم بمسار الحوار بينهما، تستخدم أساليبها التي اعتادت عليها في التفاوض مع الآخرين لإقناعهم بما تنتجه شركتها، لكنها تصطدم بأفكار تيدي وأوهامه وقناعته التامة بوجود كائنات فضائية. نكتشف أن شركة الأدوية التي تديرها ميشيل فولر تجري اختبارات حقيقية على أشخاص مقابل مبالغ مالية بسيطة، ووالدة تيدي من هؤلاء الذين أجروا عليهم اختباراً فدخلت في غيبوبة طويلة.
كثيرة الدلالات في الفيلم، حتى عنوانه «بوغونيا» هو دلالة أسطورية تأتي من المعتقدات الإغريقية القديمة، والتي تقول إن النحل يمكن أن يولد من جثة ثور ميت، وهذه العملية أطلقوا عليها «بوغونيا»، لذلك يحمل عنوان الفيلم دلالة على فكرة إعادة الحياة من الموت، الإصلاح بعد الفساد، إنقاذ وإحياء للأرض من قلب المعاناة. وكثيرة الرموز وعميقة المعاني التي يضعها الكاتب ويل ترايسي والمخرج في هذا العمل وإن لم تكن كلها وقائع ملموسة وبعضها يرتبط بنظرية المؤامرة، لكن هل فعلاً «المؤامرة» مجرد وهم أم أن الحقائق التي نكتشفها تباعاً وبعد زمن من وقوع أحداث ما، تؤكد أن في الأفق مؤامرة وخططاً لا نعرف عنها شيئاً بل نكتشفها في وقت متأخر. كذلك فكرة الفوارق الطبقية، الرأسمالية تستغل الفقير أو الإنسان الباحث باستمرار عن قوته اليومي من أجل مصلحتها، ولا تتوانى عن جعل هؤلاء الناس فئران تجارب.
كرسي كهربائي
رغم غرابة تيدي وهوسه لدرجة أننا نحسبه مجنوناً، إلا أنه يعكس حقيقة بل حقائق، وهو أكثر صدقاً من ميشيل فولر القوية المتماسكة الشديدة الذكاء والقادرة على التحكم بكل شيء.
نهاية الفيلم أكثر غموضاً ورمزية من بدايته، شكل قائم على توازن هش بين الحياة والموت، الفرد والجماعة، الحرية والخضوع.
تركيز المخرج على تحديد مواقع التصوير في أضيق إطار وحتى المناطق التي يتجول فيها تبدو شبه خالية، ومنزل تيدي غريب ومهجور، وغالبية المشاهد بين البطلين بليمونز وإيما ستون ثم ثالثهما دلبيس، تحصر المشاهد في إطار واحد وتجبره على التركيز في القضية التي يناقشها، كذلك تركيز المخرج على تعابير وملامح وجهي البطلين يرسم ملامح شخصيتهما بل وكأننا نتأثر بهما وبأفكارهما.. أداء بليمونز متميز جداً، وإيما ستون مخيفة بقدرتها على تجسيد الرعب والخبث والدهاء والجبروت بوجهها بل بعينيها، وتستحق الفوز بالأوسكار وغيره من الجوائز.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
