لم تعد المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى تدور حول التجارة أو الرسوم الجمركية أو حتى العملات فقط، بل انتقلت إلى ساحة أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً: البنية التحتية للمدفوعات.
أصبحت الشبكات التي تنقل الأموال بين الأفراد والشركات والدول اليوم جزءاً من معادلة النفوذ الجيوسياسي، بعدما أدركت الحكومات أن من يسيطر على قنوات الدفع يمتلك قدرة استثنائية على فرض العقوبات والتأثير في حركة التجارة العالمية.

أنظمة الدفع
في ظل تزايد استخدام الولايات المتحدة قوتها المالية كأداة في السياسة الخارجية، تتسارع جهود دول كبرى وناشئة لبناء أنظمة دفع وطنية وإقليمية تقلل اعتمادها على الشبكات الأمريكية، في تحول قد يعيد رسم خريطة النظام المالي العالمي، ويضع شركات عملاقة مثل «فيزا» و«ماستركارد» أمام تحديات غير مسبوقة، كما يثير تساؤلات بشأن مستقبل الهيمنة المالية الأمريكية التي استندت لعقود إلى قوة الدولار وشبكات المدفوعات المرتبطة به.
خلاف أمريكي برازيلي يكشف ملامح التحول
برزت ملامح هذا التحول خلال الخلاف الأخير بين الولايات المتحدة والبرازيل بشأن نظام المدفوعات الفورية "بيكس" (Pix)، الذي طوره البنك المركزي البرازيلي وأصبح الوسيلة الأكثر انتشاراً للدفع داخل البلاد.
واتهمت واشنطن النظام البرازيلي بمنح الشركات المحلية أفضلية على حساب شركات أمريكية مثل «فيزا» و«ماستركارد»، ولوحت بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25% على البرازيل.
غير أن الرد البرازيلي جاء حاسماً، إذ أكد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أن «بيكس» يمثل إنجازاً وطنياً لا يمكن التخلي عنه، وهو موقف لم يقتصر على الحكومة، بل امتد إلى شخصيات من المعارضة، التي رفضت أيضاً المساس بالنظام، مع اقتراح الاكتفاء بعدم ربطه مستقبلاً بشبكات مدفوعات عابرة للحدود قد تنافس الأنظمة الأمريكية.
ويعكس هذا الموقف اتجاهاً متزايداً لدى الدول للنظر إلى أنظمة المدفوعات باعتبارها جزءاً من السيادة الاقتصادية، وليس مجرد أدوات تقنية لتسوية المعاملات.
النفوذ المالي يدخل مرحلة جديدة
تتزامن هذه التطورات مع تغير واضح في الخطاب الأمريكي تجاه الاقتصاد العالمي. فقد أكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الوصول إلى الدولار وإلى السوق الأمريكية لم يعد حقاً غير مشروط، في إشارة إلى توظيف الأدوات المالية ضمن استراتيجية أوسع لتحقيق الأهداف الجيوسياسية.
وأدى هذا النهج إلى تسريع مساعي كثير من الدول لتقليل اعتمادها على البنية التحتية المالية الأمريكية، سواء عبر تطوير شبكات محلية أو إنشاء بدائل إقليمية ودولية، وهو ما ينذر بتفكك تدريجي للنظام المالي العالمي إلى منظومات متعددة بدلاً من الاعتماد على شبكة موحدة تقودها الولايات المتحدة.

أوروبا تتحرك لحماية استقلالها المالي
لم تعد هذه المخاوف مقتصرة على الدول التي تربطها علاقات متوترة مع واشنطن، بل امتدت إلى حلفاء تقليديين للولايات المتحدة.
ففي مطلع العام، حذرت رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي من أن أي توتر سياسي مع واشنطن قد يهدد وصول أوروبا إلى البنية التحتية للمدفوعات، داعية إلى إنشاء بدائل أوروبية مستقلة.
كما كشفت تقارير عن اجتماعات عقدها رؤساء بنوك بريطانية لبحث تأسيس شبكة مدفوعات وطنية تنافس "فيزا" و"ماستركارد".
وفي السياق نفسه، شددت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد على أهمية أن تمتلك أوروبا السيطرة الكاملة على أنظمة المدفوعات الرقمية، معتبرة أن هذا الملف أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي للقارة.
من الاستثناء إلى التوجه العالمي
حتى وقت قريب، كانت محاولات إنشاء شبكات دفع مستقلة تقتصر على الدول التي تعرضت لعقوبات غربية أو كانت تخشى النفوذ الأمريكي.
فبعد استبعاد روسيا من بعض أنظمة المدفوعات الدولية عقب العقوبات الغربية، سارعت إلى تطوير نظام الرسائل المالية الخاص بها وشبكة بطاقات "مير".
كما عملت الصين على بناء منظومة متكاملة للمدفوعات العابرة للحدود، مدعومة بمبادرات حكومية وشركات عملاقة مثل «علي باي» و«ويتشات باي»، بهدف تقليل الاعتماد على الأنظمة الغربية.
لكن هذا الاتجاه لم يعد استثناءً، إذ يرى خبراء الاقتصاد أن تنويع البنية التحتية للمدفوعات أصبح هدفاً تسعى إليه معظم الحكومات، ليس فقط لتقليل الاعتماد على الدولار، وإنما أيضاً لضمان استمرار التدفقات المالية في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن بناء قنوات دفع مستقلة قد يكون أكثر واقعية من محاولة استبدال الدولار نفسه، لأن تطوير البنية التحتية يمنح الدول استقلالية عملية دون الحاجة إلى تغيير النظام النقدي العالمي بالكامل.

3 مسارات نحو الاستقلال
تسلك الدول حالياً ثلاثة مسارات رئيسية لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال في مجال المدفوعات الدولية:
| مسارات الاستقلالية المالية للدول | |
| - المسار الأول |
يتمثل في إنشاء أنظمة وطنية أو إقليمية جديدة، كما هو الحال في أوروبا، حيث توسعت منطقة المدفوعات الأوروبية الموحدة SEPA لتضم عشرات الدول، بما يسهل تنفيذ التحويلات باليورو عبر شبكة موحدة.
كما تعمل مجموعة من البنوك وشركات التكنولوجيا المالية على تطوير المحفظة الرقمية الأوروبية Wero، التي تهدف إلى دمج أنظمة الدفع الوطنية في منصة واحدة تحمل شعار «صنع في أوروبا»، في حين يواصل البنك المركزي الأوروبي إعداد مشروع اليورو الرقمي المتوقع إطلاقه قبل نهاية العقد الحالي.
|
| - المسار الثاني |
يقوم على التحول نحو الشبكات التي تقودها الصين، إذ وسع بنك الصين نطاق استخدام نظام اليوان الرقمي عبر الحدود ليشمل عدداً متزايداً من الدول.
وفي الوقت ذاته، سجل نظام المدفوعات الصيني العابر للحدود CIPS مستويات قياسية في أحجام المعاملات، مع نمو قوي في متوسط التدفقات اليومية، ما يعكس توسع الاعتماد عليه كبديل لشبكة «سويفت» التي لا تزال تمثل العمود الفقري للمدفوعات الدولية.
|
| - المسار الثالث |
يعتمد على الاتفاقيات الثنائية، حيث تفضل بعض الدول ربط أنظمة الدفع الوطنية مباشرة دون الحاجة إلى إنشاء شبكات عالمية جديدة.
ويبرز في هذا الإطار نظام UPI الهندي، الذي يعتمد على المدفوعات عبر رموز الاستجابة السريعة، والذي أصبح يعمل بالفعل في عدد من الدول، مع خطط للتوسع في أسواق جديدة من خلال ربط الأنظمة المحلية أو المساعدة في إنشائها.
|
هل تتراجع هيمنة الشبكات الأمريكية؟
رغم أن معظم المدفوعات الدولية لا تزال تمر عبر شبكات أمريكية أو شبكات يمكن للولايات المتحدة التأثير فيها، فإن انتشار الاتفاقيات الثنائية والإقليمية قد يقلص تدريجياً اعتماد الدول على هذه البنية التقليدية.
ويرى خبراء أن العقبة الرئيسية أمام هذا التحول تتمثل حالياً في محدودية السيولة ببعض العملات المحلية، ما يقلل حجم التعاملات الممكن تنفيذها خارج الدولار.
لكن التطور السريع في تقنيات العملات الرقمية وأنظمة الدفع الفورية قد يغير هذه المعادلة خلال السنوات المقبلة، بما يسمح بتنفيذ نسبة متزايدة من المدفوعات دون المرور بالقنوات التقليدية.
ضغوط متزايدة على "فيزا" و"ماستركارد"
يشكل انتشار أنظمة الدفع السيادية تحدياً مباشراً لشركتي «فيزا» و«ماستركارد»، اللتين تحققان جزءاً كبيراً من أرباحهما من العمليات الدولية، خاصة في أوروبا.
وقد أقرت الشركتان في تقاريرهما السنوية بأن تفضيل الحكومات للأنظمة المحلية يمثل أحد أبرز المخاطر التي تواجه أعمالهما مستقبلاً.
ورغم استمرار تحقيق نتائج مالية قوية، فإن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً تجاه مستقبل الشركتين، في ظل تصاعد المنافسة الحكومية والإقليمية.
واستجابة لهذه المتغيرات، أعلنت «فيزا» استثمارات بقيمة 500 مليون يورو في تطوير بنيتها التحتية الأوروبية، تشمل إنشاء مركز تكنولوجي جديد في بولندا، كما عززت تعاونها مع شركة «يونيون باي» الصينية لتوسيع خدمات المدفوعات الفورية.
بدورها، تسعى «ماستركارد» إلى تعزيز حضورها الأوروبي عبر استثمارات جديدة في مراكز البيانات داخل فرنسا، مؤكدة أنها تمتلك بالفعل شبكة أوروبية تخدم مصالح القارة، في محاولة للحفاظ على مكانتها وسط موجة المطالبة بالسيادة الرقمية.

مخاطر التجزئة المالية
ورغم المكاسب التي قد تحققها الدول من تنويع أنظمة المدفوعات، يحذر خبراء من أن تزايد التجزئة قد يفرض تكاليف اقتصادية مرتفعة. فبحسب مجلس الاستقرار المالي، قد يؤدي انتشار الأنظمة المنفصلة إلى إبطاء الجهود الدولية الرامية إلى جعل المدفوعات العابرة للحدود أسرع وأقل تكلفة، وهو أحد الأهداف التي تبنتها مجموعة العشرين منذ عام 2020.
كما أن غياب التوافق بين الشبكات الإقليمية المختلفة قد يزيد من مخاطر الاحتيال المالي، ويصعب تطبيق العقوبات الدولية، ويرفع تكاليف التجارة العالمية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار الاتجاه الحالي نحو الانقسام المالي قد يؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 2.6% بحلول عام 2030، ما يعني أن السعي وراء السيادة في مجال المدفوعات قد يحمل ثمناً اقتصادياً أكبر مما تتوقعه كثير من الدول.
وبينما تتجه الحكومات إلى بناء شبكات مالية أكثر استقلالاً، تبدو الولايات المتحدة أيضاً أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في الحفاظ على النفوذ الذي وفرته لها هيمنة الدولار والبنية التحتية للمدفوعات لعقود طويلة، في وقت يعيد فيه العالم صياغة قواعد النظام المالي الدولي على أسس أكثر تعددية وأقل اعتماداً على مركز واحد.
المصدر: "ذي إيكونوميست"
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
