عرب وعالم / الامارات / صحيفة الخليج

الدكتور سلطان القاسمي يكتب: الأميرة المغولية ودموع الشفقة

الدكتور سلطان بن محمد القاسمي

هذه رواية تاريخية موثقة لأميرة مغولية تدعى كوكاجين (السماء الزرقاء)، تبلغ السابعة عشرة من عمرها، بالغة الجمال، ورِقَّة الخُلُق.

يُدفع بها إلى الأهوال والمصائب، ويتساقط من حولها أعتى الرجال صرعى، وهي صامتة لا تملك إلّا أن تذرف الدموع الصامتة، دموع الشفقة.

(1) دولة المغول

دولة المغول، التي أسسها جنكيز خان، (1167م-1227م) في آسيا الوسطى، ولقب بالفاتح الشهير، وأخضع جميع الدول بين والبحر الأسود، وأسس إمبراطورية المغول، ما بين عامي 1206م و1227م، ومن بينها، في عام 1215م، احتل جنكيز خان بكين، عاصمة الصين.

في عام 1227م، توفي جنكيز خان، وتم اقتسام إمبراطوريته بين أحفاده، وهم:

1- قبلاي خان (1214م -1294م):

إمبراطور المغول، حفيد جنكيز خان، ومؤسس سلالة «يوان»، النقية النسب المغولي، في الصين، واتخذ بكين عاصمة له.

2- باتو خان (1204م – 1255م):

أمير مغولي، حفيد جنكيز خان، أسس مملكة مغولية على نهر الفولغا عام 1242م، شملت سيبيريا وجنوب روسيا، وحوض الفولغا وعاصمتها «صراي»، وأطلق عليها الأرطة الذهبية، انقرضت عام 1502م.

3- هولاكو (1217م -1265م):

فاتح مغولي ومؤسس دولة المغول الإيلخانية في فارس عام 1251م، حفيد جنكيز خان. أخضع أمراء الفرس وقضى على الخلافة العباسية في بغداد عام 1258م، واحتل . هاجم المماليك جيشه في عين جالوت، وأبادوه عام 1260م.

3- تيمور لنك أو تيمور الأعرج (1336م -1405م):

ملك المغول، حفيد جنكيز خان. اعتلى العرش عام 1370م. أخضع فارس وآسيا من دلهي إلى بغداد. دامت دولة المغول في الهند من عام 1526م – 1858م، والتي أسسها بابر من أحفاد تيمور لنك، فقد حكمها تسعة عشر إمبراطوراً، كان آخرهم بهادر شاه الثاني، حيث عزله الإنجليز عام 1858م.

(2) أرغون ملك فارس وسلالة يوان

أرغون (1255م – 1291م): ابن أباقا وحفيد هولاكو، رابع ملوك الدولة الإيلخانية في فارس، منذ عام 1284م، وتعني السلالة المغولية الإيلخانية، لسلالة مغولية حكمت في فارس من سنة 654ه إلى سنة 736 ه، الموافق من عام 1256م إلى عام 1335م.

كان لأرغون زوجات عدة، فقد تزوج من قوتاوق خاتون بنت تنككيز كوركان قبل جميع زوجاته. فلما توفيت أراد أن يتزوج من ابنة أخي «أولجتاي» بنت «سولاميش» التي كانت أمها «توداكاج».

لما كانت لا تزال في سن الطفولة، فإنه لم يدخل بها، وتزوج بعد ذلك من «أوروك» خاتون بنت «ساروجة» أخت الأمير «أيرنجين» من قوم «كرايت»، و«ساروجة» هو أخو «توقوز» خاتون.

من بعد «أوروك» خاتون تزوج من «سلجوق» خاتون بنت السلطان ركن الدين، سلطان الروم. ثم تزوج من «بولغان» خاتون التي كانت كبرى خواتين «آباقاخان».

من ذكر أسماء زوجات الملك أرغون يتبيّن علو نسبهن، لكن أرغون الملك، شغل باله سلالة «يوان» النقية النسب المغولي، والتي أسسها قبلاي خان في الصين.

بعد وفاة «بولغان» خاتون، زوجة الملك أرغون، قام بتأسيس سلالة «يوان» النقية النسب المغولي في فارس، وطلب من الإمبراطور قبلاي خان، الخاقان الأعظم، أن يختار له فتاة من عائلته، لتكون زوجة له.

قام الخاقان الأعظم باختيار الفتاة «بولغانا» ابنة «أوتمان بن أتباي نويان» من عائلة قبلاي خان، الخاقان الأعظم، وتم تكليف والدها بإيصالها إلى فارس.

تم الزواج في فارس، وفي يوم الأربعاء التاسع من شهر ربيع الأول سنة 689ه، الموافق الخامس عشر من شهر سبتمبر عام 1290م.

تزوج الملك أرغون ب «بولغانا» ولقّبت بالملكة، وتمضي الأيام وأرغون الملك ينتظر المولود وإذ به أنثى، وسميت «دلانجي»، لكنها توفيت بعد فترة من ولادتها.

طلبت الملكة «بولغانا» من الملك «أرغون» أن يسمح لها بالسفر إلى الصين من خلال طريق الحرير، وأن والدها هو الذي سيأخذها لترى والدتها، فسمح الملك أرغون بذلك.

بعد عبور طريق الحرير وصلت الملكة «بولغانا» إلى كاثاني شمال الصين.

لقد حدث في ذلك الوقت أن الملكة «بولغانا»، زوجة أرغون الملك، سيّد المشرق، انتقلت من هذه الحياة إلى الأخرى، وكانت الملكة، في وصيتها، قد عبّرت عن رغبتها في ألّا تخلفها أو تحلّ محلّها زوجةٌ لأرغون إلا إذا كانت من أسرتها نفسها.

لذلك السبب أرسل أرغون الملك ثلاثة من باروناته، كانت أسماؤهم على التوالي: «أولاتاي»، «أبوسكا»، و«كوجاي»، وذلك بصفتهم مبعوثين إلى الخاقان الأعظم، مصحوبين بموكب فخم للغاية، ليعودوا إليه بسيدة من أسرة زوجته الراحلة لتكون زوجة له.

لمّا بلغ البارونات الثلاثة بلاط الخاقان الأعظم، قدّموا رسالتهم التي تشرح سبب مجيئهم، فاستقبلهم الخاقان بأعظم مظاهر التشريف، وخصّهم بأفضل وجوه الضيافة.

أمر الخاقان الأعظم بإحضار شابة تُدعى «كوكاجين» «السماء الزرقاء»، وكانت من أسرة الملكة الراحلة «بولغانا»، وكانت فتاة في السابعة عشرة من عمرها، بالغة الجمال ورِقّة الخُلُق.

عند وصولها إلى البلاط، قُدّمت إلى البارونات الثلاثة، بوصفها الفتاة التي وقع الاختيار عليها وفقاً لطلبهم، فأعلنوا أن تلك الشابة كانت على أكمل ما يبتغون، وأنها تُرضيهم تمام الرضا.

(3) الأميرة «كوكاجين» في رحلتها إلى فارس

منح الخاقان الأعظم البارونات الثلاثة المرسلين من قبل الملك أرغون، ملك فارس، موكباً كبيراً ومهيباً لمرافقة العروس الأميرة «كوكاجين» إلى الملك أرغون، وبعد أن أُعدّت جميع الترتيبات اللازمة، غادر البارونات الثلاثة بلاط الخاقان، وسلكوا الطريق نفسه الذي جاؤوا منه، وهو طريق الحرير.

غير أن الأحداث تعقدت، فقد استمروا في السير سبعة أو ثمانية أشهر، حتى اندلعت حرب بين بعض ملوك التتار، وانقطعت الطرق، واستحال المرور، فلم يعد بالإمكان التقدم أكثر.

اضطرّ البارونات الثلاثة إلى العودة، على غير رغبتهم، إلى الخاقان الأعظم، ورووا له ما حلّ بهم.

كانت الأميرة «كوكاجين» تذرف دموع الشفقة ولا تبوح بشيء.

في ذلك الوقت، كان السيد «ماركو بولو» قد عاد من الهند بعدما عبر بحاراً غريبة وطاف ببلاد كثيرة، وروى العديد من عجائب تلك الأصقاع.

كان وصول اللاتينيين الثلاثة السيد «نيقولو» والسيد «ماتيو» وابن أخيهم السيد «ماركو بولو» كالتالي:

في عام 1260م، انطلقوا في مغامرة تجارية إلى «كريميا»، حيث حملتهم نجاحاتهم المتتالية وحظوظهم، وقطعوا شوطاً بعيداً على طول نهر الفولغا، ومن ثم أولاً إلى بخارى، ثم إلى بلاط الخاقان الأعظم، قبلاي خان في الشرق الأقصى، حتى حدود «كاثاني» شمال الصين، إلى حوالي شهر مايو عام 1275م.

استقبل قبلاي خان الرحّالة اللاتينيين (البندقيين) ببالغ المودة، وتحدث بلطف إلى الشاب «ماركو بولو»، بعد فترة، عندما لاحظ قبلاي خان مدى فطنة الشاب وإمكانياته، قام بتوظيفه في الخدمة العامة.

عندما رأى البارونات الثلاثة السيد «نيقولو»، والسيد «ماتيو»، والسيد «ماركو بولو»، وهم رجال لاتينيون، قال بعضهم لبعض: ما أجدر هؤلاء أن يصحبونا في البحر !

قام البارونات الثلاثة، وذهبوا إلى الخاقان الأعظم، وسألوه، بفضله وكرمه، أن يأذن لهؤلاء الرجال اللاتينيين بمرافقتهم بحراً، فقرر الخان الأعظم ذلك.

كان طريق الحرير مغلقاً بسبب الحرب، التي اندلعت في فترة الصراع بين فروع المغول القيقانيين، القبجاق، والإيلخانيين، في أواخر القرن الثالث عشر.

كان قرار الخاقان الأعظم، السماح للثلاثة اللاتينيين بمرافقة الأميرة عبر البحر.

كان الخاقان الأعظم شديد المودّة لهؤلاء الثلاثة، ولذلك لم يوافق على هذا الطلب إلا على مضض، وسمح للرجال الثلاثة بأن يرافقوا الأميرة مع البارونات الثلاثة.

أمر الخاقان بإعداد أربع عشرة سفينة، لكل منها أربعة صوارٍ، وبعضها كان يحوي اثني عشر شراعاً.

كان من بين هذه السفن، على الأقل أربعاً أو خمساً، كان طاقم كل منها يتراوح بين مائتين وخمسين إلى مائتين وستين بحاراً.

عندما أصبحت السفن جاهزة، غادر البارونات الثلاثة، ومعهم اللاتينيون الثلاثة السادة «نيقولو»، «ماتيو»، و«ماركو بولو»، وركبوا السفن برفقة الأميرة «كوكاجين» ووصيفاتها الأربع، وحاشية كبيرة، وزوّد الخاقان هؤلاء بثياب ومؤن تكفيهم لعامين.

لقد انطلقوا في البحر، وأبحروا مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، حتى بلغوا جزيرة كبيرة تُدعى جاوة، وتقع إلى الجنوب، ثم غادروا تلك الجزيرة، وأعلموا أنهم أبحروا عبر بحر الهند مدة بلغت ثمانية عشر شهراً كاملة.

المدة المذكورة ثلاثة أشهر واقعية جداً ضمن طرق الرياح الموسمية في المحيط الهندي.

الثمانية عشر شهراً في بحر الهند، هي أطول مدة بحرية، ويرجح أنها تشمل فترات توقف طويلة في موانئ متعددة.

كان خط سير الرحلة حتى الوصول إلى هرمز، قد استغرقت عامين من عام 1291م إلى عام 1293م، وهو كالتالي:

يسجل «ماركو بولو» أن السفن انطلقت من جنوب الصين، ثم سارت عبر:

1- الإبحار من «زايتون»، «تشوانتشو» الحالية.

2- عبور بحر الصين الجنوبي.

3- التوقف في الفلبين وفيتنام.

4- النزول في سومطرة وسيلان، والبقاء مدة طويلة، بسبب الرياح الموسمية.

5- سواحل الهند.

6- بحر السند.

7- الوصول إلى بحر عُمان.

لمّا بلغوا المكان الذي كانوا يقصدونه، وهو جزيرة هرمز، وقد مرّوا في الطريق بعجائب كثيرة، وجدوا عند وصولهم أن الملك أرغون قد مات.

تبيّن أنه حين صعدوا جميعاً إلى السفن في الصين، كان عددهم لا يقلّ عن ستمائة شخص، من غير حساب البحارة، وقد ماتوا جميعاً، ولم ينجُ منهم إلا ثمانية عشر شخصاً فقط، ومن المبعوثين الثلاثة لأرغون، لم ينجُ إلا واحد، وكان اسمه «كوجاي».

أمّا السيدات والوصيفات اللاتي كنّ ضمن الموكب، فلم ينجُ منهن إلا واحدة فقط.

كانت الأميرة «كوكاجين» تذرف دموع الشفقة ولا تبوح بشيء.

(4) نهاية دموع الشفقة

ما إن وصلت السفن القادمة من الصين، أرض جزيرة هرمز، وكانت تحت حكم ملوك الهرامزة، حتى وصلهم الخبر عن وفاة أرغون الملك، يوم السبت السابع من شهر ربيع الأول سنة 690ه، الموافق الخامس من شهر سبتمبر عام 1291م، حيث اضطربت شؤون البلاد، وتطرق كثير من الخلل إلى الناس جميعاً، كانت الأميرة «كوكاجين» تذرف دموع الشفقة ولا تبوح بشيء.

قام الوفد المرافق للأميرة «كوكاجين»، بنقلها من جزيرة هرمز إلى البر الأصلي، وإلى طريق لار المتجه إلى شيراز، وإذا به يمر بأخاديد الجبال، وقممها وقيعانها، وإذا بالعاصمة محاطة بالقوات والحراسات، تحت قيادة «كياكاتو».

فبعد موت أرغون الملك، تولّى الحكم «كياكاتو»، فوُضعت الأميرة «كوكاجين» تحت رعايته، ونُفِّذت المهمة كما أرادها أرغون أي بتزويجها بابنه، غازان.

أمر «كياكاتو» بأن تُسلّم الأميرة إلى غازان، ابن أرغون الملك، الذي كان يحكم منطقة في فارس التي تقع في ضواحي «شجرة الشمس» بين خراسان وكرمان، ومعه ستون ألف فارس، يحارب من أجل المُلك، والملكة «كوكاجين» في خدر خاص ينقل من مكان إلى آخر حسب سير المعارك ومواقعها.

عاد السادة «نيقولو» و«ماتيو» و«ماركو» إلى «كياكاتو»، الذي استقبلهم بترحاب كبير في مدينته، وبعد أن أتمّ السادة «نيقولو» و«ماتيو» و«ماركو» كل ما أوكل إليهم بخصوص الأميرة، وبلّغوا جميع الرسائل التي عهد بها إليهم الخاقان الأعظم، استأذنوا بالرحيل، وغادروا فارس.

أما الملكة «كوكاجين»، فقد تركت وحيدة، في تلك الأصقاع، بين الخوف وذكريات قصر الخاقان الأعظم، قبلاي خان، حيث تتجمع الأميرات والأمراء، وكانت الأميرة «كوكاجين» بجمالها ورقة خلقها تسحر الأمراء.

كان الجميع يتحلقون حولها، وهي الآن تتذكرهم واحداً واحداً حتى تأتي صورة حبيبها الذي أحبته، لكنها اقتلعت من موطنها، وسلمت إلى رجل لم تره من قبل، فتذرف الدموع الصامتة.

تقدم «كياكاتو» إلى العاصمة شيراز لتنصيب «بايرو» ملكاً، وهو أحد الأمراء الإيلخانيين، واستقر الرأي على تولية «كيخاتو» من الأمراء الإيلخانيين كذلك، وكان غازان خان يحارب في كل الاتجاهات، ومنشغلاً عن عروسته.

كانت الملكة «كوكاجين» قد تركت وحيدة، فقد مات ثلاث من وصيفاتها الأربع، اللاتي قدمن معها في البحار، والرابعة تركت في شيراز مريضة، لم تطق التحمل حتى انفجرت في بكاء مرير، ودموع شفقة، وسقطت منكبة على وجهها، وعندما رفعوها فإذا بها قد فارقت الحياة، كان عمرها يومها لم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين من عمرها.

المصادر

• جامع التواريخ، رشيد الدين فضل الله الهمذاني، نقله إلى العربية، محمد صادق نشأت، وفؤاد عبد المعطي الصياد، راجعه يحيى الخشاب، الجمهورية العربية المتحدة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، الإدارة العامة للثقافة، 1960م، المجلد الثاني، الجزء الثاني، الصفحات 124- 125.

• Marco Polo، Werner Forman، Cottie A. Burland، Les Editions Braun، 5، Avenue De L’opera، Paris، France، pp. 143-147.

• The Book of Sir Marco Polo، The Venetian Concerning the Kingdoms and Marvels of the East، Translated by the Colonel Henri Yule، 1903، In two volumes- Vol. I، 3rd edition، pp. 15-22.

• The Book Of Ser Marco Polo، The Venetian Concerning The Kingdoms and Marvels of The East، Newly Translatated and Edited، with Notes، by Colonel Henry Yule، C. B.، print by John Murray، Albemarle Street، London، 1871، Vol.1، pp. 29-37.

• The Quest For Cathay، Sir Percy Sykes، A. & C. Black، LTD، London، 1936، pp. 185-200.

• The Travels of Marco Polo، Translated from The Italian with notes، William Marsden، F.R.S. & C.، Cox and Baylis، Great Queen-Street، Lincoln’s-INN-FIELDs، London، 1818، pp. 26-40,94-100,556-745.

• The Travels of Marco Polo، Translated into English from the text of L. F. Benedetto، Professor Aldo Ricci، George Routledge & Sons، LTD، Broadway house، Carter Lane، London، 1931، pp. 14-18.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا