لم يعرف الإنسان زمناً تتدافع فيه الصور بهذه الكثافة كما يعرفه اليوم؛ صور تزدحم أمام عينيه بلا توقف واستئذان، وتقتحم تفاصيل يومه من اللحظة الأولى للاستيقاظ حتى لحظة إغلاق الهواتف ليلاً. هذا التدفق المستمر لا يرهق البصر فقط، بل يرهق الروح أيضاً، حتى بات الضوء نفسه عاجزاً عن أن يمنح الإنسان شعور الاكتفاء. وفي وسط هذا الزخم البصري الصاخب، يحدث ما يبدو كاستيقاظ هادئ: يعود «الصوت» ليحتل مكانه القديم، لا كضجيج جديد، بل كوسيلة أصيلة تستعيد حضورها، كأن العالم يذكّرنا بأن المعنى لا يحتاج دائماً إلى «صورة» كي يتشكل، وأن «الحكاية» حين تُروى بصدقها تصل إلى القلب أسرع من أي مشهد متقن.
ومن هنا بدأت ميول الناس تنحاز تدريجياً نحو «الإصغاء»، ليس هرباً من الشاشات، بل بحث عن مساحة مختلفة؛ مساحة تلمس الداخل بدل أن تملأ الخارج، وتعيد الإنسان إلى صوته الداخلي الذي طالما اختفى تحت كثافة المشاهد وتتابع الأحداث. وحين ضاقت الشاشات بنا بوميضها، وكثرت الألوان حتى فقدت معناها، عاد الإنسان إلى تلك الشعيرة القديمة: «الإنصات». عاد ليلتمس في الحرف المسموع ما فقده في الصورة: ظلال المعنى، وحرارة التجربة، ونبض الروح، وارتجاف الفكرة قبل أن تُلبِسها الكاميرا ثوباً مستعاراً.
ومن هذا العود الثقيل إلى الذات، وُلد فضاءٌ جديد اسمه «البودكاست»؛ كأنّه جزيرةٌ صغيرة تنأى عن ضجيج العالم، تُطِلّ من بين هدير الحداثة لتقول: إنّ الإنسان لا يزال يحتاج إلى كلمة تُلقى في أذنه، لا إلى ضوء يُقذف في عينه. فليس البودكاست امتداداً تقنياً لفنون الصوت فحسب، بل هو استعادة لجوهرٍ ضاع حين تسيّد البصر المشهدَ العالمي. هو التذكير بأن المجتمعات الأولى لم تُبنَ على الصورة، بل على الكلمة الشفوية؛ على الراوي الذي يشقّ الليل بصوته، فيحوّل السكون إلى مخزنٍ للحكايات.
من أجمل ما فعله هذا الفضاء أنه نقل السرد من ضيق الاستوديوهات إلى رحابة العالم. فجأة، صار بإمكان امرأةٍ أن تروي هشاشتها كما لو كانت تهمس لصديقتها؛ وبإمكان شابّ أن يقول ما لم يجد له منبراً حراً للإلقاء ما في ضميره؛ وبإمكان أقلية صغيرة أن تستعيد ذاكرتها التي ظلت على الهوامش طويلاً؛ وبإمكان مبدع ظلّ ينتظر منصّة عادلة أن يضع صوته أخيراً في هواءٍ يسمعه من يريد، لا من تختاره القنوات.
أمّا الصوت العربي، فقد جاء إلى هذا العالم الجديد محمّلاً برائحة المدن القديمة، ولهجات الأزقة، وذاكرة المجالس التي كانت «الكلمة» فيها سيّدة المساء. لم يأتِ ليتقنّع أو يقلّد، بل جاء ليعيد ذاته، وليصنع مساحته الخاصة في فضاء مزدحم لا يعترف إلا بمن يملك نبرةً صادقة. فهنا، ظهرت برامج تحفر في التاريخ العربي من جروفه المخفية، وأخرى تتوغّل في فلسفة الحياة اليومية، وأخرى تُعيد قراءة المجتمع من عيون شبابه. حتى باتت بعض حلقاتها مادّةً يتداولها الباحثون، ويتوقف عندها القرّاء، وتتحوّل مع الأيام إلى أرشيف لفهم التحوّلات الثقافية في المنطقة.
ربما كانت أعظم هدايا البودكاست لنا أنه ردّ الإنسان إلى صوته، وردّ الصوت إلى مكانه الطبيعي في بناء الوعي. فالصورة قد تُغري، وقد تبهر، لكنها لا تتسلّل إلى الأعماق كما يفعل الصوت. وحده الصوت يستطيع أن يلمس فكرة لم تولد بعد، أن يوقظ ذاكرة كادت تنطفئ، أن يجمع مسافات بعيدة في نبرة واحدة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
