اقتصاد / ارقام

خديعة العائد.. لماذا توقف عمالقة عن الحفر؟

  • 1/4
  • 2/4
  • 3/4
  • 4/4

في صبيحة العشرين من أبريل 2020، عاشت "وول ستريت" مشهداً جنائزياً لم يسبق تدوينه في أي مرجع اقتصادي عبر التاريخ.

 

ردهات التداول تحولت لساحات رعب، حين اخترق خام "نايمكس" حاجز الصفر ليستقر عند -37.63 دولار.

 

لم تكن مجرد أزمة عرض وطلب عابرة، بل لحظة تحول فيها "الذهب الأسود" إلى "نفايات سامة".

 

توسل المنتجون للمشترين كي يأخذوا النفط مقابل المال، بعد أن غصت خزانات "كوشينج" ولم يعد هناك متسع لقطرة واحدة.

 

دفع المتداولون "الفدية" للتخلص من التزامات التسليم، ليترك هذا الزلزال ندوباً غائرة في عقول مديري الصناديق.

 

من رحم هذا الرعب، وُلدت عقيدة "الانضباط الرأسمالي"، حيث أقسمت الشركات ألا تعود لسباق التسلح بالبراميل.

 

واليوم، تحكم الأسواق ديكتاتورية محاسبية تسمى (RoACE)، أداة روضت العمالقة، لكنها قد تشعل أزمة طاقة عالمية قريباً.

 

 

صدمة التغيير

- كانت صدمة 2020 هي "الخطيئة الأصلية" التي نسفت العقيدة القديمة، وأعادت تشكيل استراتيجيات النفط الأمريكية والأوروبية للأبد.

 

قبل ذلك، كان "النمو العضوي" والاستكشاف هو المحرك، لكن بعد تبخر رؤوس الأموال، تحول التركيز للتدفقات السريعة.

 

جاء هذا التغيير البنيوي استجابة لنفسية "المستثمر المذعور"، الذي بدأ يطالب بتعويضات فورية عن المخاطر الجيوسياسية، ولذلك تتسابق الشركات حالياً لخفض النفقات الرأسمالية (Capex)، لإثبات "الانضباط" حتى لو تجاوز النفط حاجز 80 دولارًا.

 

وهم الكفاءة

- في أروقة البنوك الكبرى، أصبح مؤشر (RoACE) هو الحاكم بأمره، لكنه يحمل في طياته "فخًا محاسبيًا" خطيرًا يعيق النمو.

 

 فهو يتحسن عندما تتوقف الشركات عن الاستثمار في المشاريع الاستكشافية الكبرى، فبما أن نظام الإهلاك في قطاع النفط يعتمد على "وحدة الإنتاج"، فإن المشاريع الجديدة ذات التكاليف الرأسمالية الضخمة تؤدي إلى هبوط فوري لقيمة المؤشر في سنواتها الأولى، بينما تظهر الأصول القديمة والمتهالكة عوائد محاسبية براقة لأن قيمتها الدفترية انخفضت بفعل الزمن.

 

دفع هذا الشركات لـ "عصر" الحقول الحالية وتجاهل الاستكشاف، لإرضاء المحللين على المدى القصير وتقويض المستقبل.

 

طريقة الحساب

- يُحسب مؤشر العائد على متوسط رأس المال المستخدم من خلال معادلة تقيس كفاءة الشركة في توليد الأرباح من إجمالي الأموال المستثمرة في عملياتها التشغيلية.

 

يتم اختيار "بسط" المعادلة بعناية لعزل كفاءة العمليات التشغيلية للشركة عن الطريقة التي تم بها تمويل تلك العمليات (ديون أم أسهم)، ويساوي الأرباح الفعلية المتاحة لجميع ممولي رأس المال (ملاك ودائنين) بعد سداد التزامات الدولة، ولكن قبل سداد تكاليف التمويل.

 

أما المقام، وهو "متوسط رأس المال المستخدم"، فيُحسب بطرح الالتزامات المتداولة من إجمالي الأصول، ثم أخذ المتوسط الحسابي لهذه القيمة بين بداية ونهاية الفترة المالية.

 

ويُعد استخدام "المتوسط" أمراً بالغ الأهمية في الصناعات كثيفة رأس المال مثل النفط والغاز؛ لأنه يساعد في إزالة التشوهات المحاسبية الناتجة عن توقيت الاستحواذ الكبرى أو تدفقات السيولة الضخمة في نهاية العام، ما يوفر رؤية أكثر واقعية للعائد المستدام على مدار السنة.

 

 

الاستراتيجية الأمريكية

- اختارت "إكسون" و"شيفرون" مسار "أكل الصغار" والاندماج عبر صفقات استحواذ مليارية بدلاً من المخاطرة بالحفر في المجهول.

 

استحوذت "موبيل" على "بايونير" و"شيفرون" على "هيس"، في عمليات هندسة مالية تهدف لدمج أصول عالية الكفاءة.

 

وتهدف هذه التحركات لرفع الـ (RoACE) عبر "التآزر" وخفض التكاليف، ما سمح للشركات الأمريكية بالتفوق على أداء السوق.

 

هذا "التغول" سمح لهذه الشركات بالتفوق على السوق؛ حيث حققت "موبيل" عائداً إجمالياً للمساهمين بنسبة 74.3% خلال خمس سنوات، متجاوزة بمراحل أداء مؤشر "إس آند بي 500" لقطاع

 

النفط مقابل النقد: مقارنة بين أرباح بعض الشركات في عام 2025

الشركة

صافي الدخل

(مليار دولار)

العائد على رأس المال المستثمر
RoACE

التوزيعات وإعادة الشراء (مليار دولار)

إكسون موبيل

28.8

9.3 %

37.2 (17 توزيعات + 20 إعادة شراء)

شيفرون

12.3

6.6 %

27.1 (12.8 توزيعات + 12.1 إعادة شراء + 2.2 هيس)

شل

17.8

9.4 %

22 (8.5 توزيعات + 13.9 إعادة شراء)

(52% من التدفقات النقدية التشغيلية)

 

القيمة الجديدة

- لم يعد الصراع الحقيقي على "من ينتج أكثر"، بل أصبح "من يدير رأس المال بذكاء أكبر"، لأن المستثمرين لا ينخدعون بصافي الأرباح إذا كانت ناتجة عن إنفاق هائل، حيث تشير بيانات "أوليفر وايمان" إلى أن قطاع الاستكشاف والإنتاج استثمر 150 مليار دولار في السنوات الثلاث الأخيرة، لكنه لم يضف سوى 30 مليار دولار لقيمته المؤسسية.

 

التيه الأوروبي

- عاشت الشركات الأوروبية مثل "شل" و"بي بي" تيهًا استراتيجيًا بين مطرقة الضغوط البيئية وسندان العوائد المالية.

 

عاقبت الأسواق محاولات التحول للطاقة "الخضراء" بانكماش القيمة، بسبب ضعف عوائد مشاريع الرياح مقارنة بالنفط، وخلق هذا "فجوة تقييم" محرجة، حيث تُتداول الشركات الأوروبية بمكررات ربحية أقل بكثير من نظيراتها الأمريكية، ما دفع "شل" لتصحيح المسار والعودة للتركيز على الهيدروكربون.

 

 

العجز القادم

- حذر منتدى الطاقة الدولي من أن الاستثمارات السنوية في الاستخراج والإنتاج يجب أن ترتفع إلى 738 مليار دولار بحلول عام 2030 لضمان تلبية الطلب العالمي.

 

الفجوة الحالية ناتجة عن "الانضباط الرأسمالي" الذي يفضله المساهمون؛ حيث إن الشركات لم تعد تخصص سوى جزء يسير من أرباحها للاستكشاف الجديد.

 

في عام 2024، ورغم تجاوز الاستثمارات العالمية حاجز 600 مليار دولار لأول مرة منذ عقد، فإن معظم هذا الإنفاق ذهب للحفاظ على الإنتاج الحالي أو تعويض التضخم في تكاليف الخدمات النفطية وليس لاكتشاف حقول بكر.

 

جشع المساهم

- تحول المساهمون من دور "الممول الصبور" إلى دور "المفترس المالي" الذي يطالب بنصيب الأسد من كل دولار يتم تحقيقه؛ فبين عامي 2022 ومنتصف 2025، تم توجيه ما يقرب من 45% من التدفقات النقدية التشغيلية للشركات الأمريكية نحو توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم.

 

هذا الضغط جعل الإدارات التنفيذية تعيش في حالة ذعر دائم من أي "انفلات استثماري" قد يؤدي لهبوط سعر السهم.

 

وخلق التركيز على العوائد (RoACE) "فجوة استحقاق" بين تطلعات الأسواق المالية والحقائق الجيولوجية طويلة الأجل.

 

 

النفط كأداة مالية

- بحلول عام 2030، ستغدو شركات النفط أشبه بـ "ماكينات نقدية" محكمة الإغلاق، لكنها خزائن تعاني من "فقر دم استكشافي" قد يضع العالم أمام فاتورة باهظة الثمن.

 

ومع تحول البرميل من كنز جيولوجي إلى "أداة مالية" تُصاغ في ردهات المحاسبة قبل أن تتدفق في الأنابيب، سيبقى مؤشر (RoACE) هو "النجم القطبي" الذي تهتدي به البورصات؛ غير أن بريقه وحده لن يكفي لبناء قيمة مؤسسية تصمد أمام تقلبات الزمن.

 

إن عصر "النمو الجامح" قد ولى إلى غير رجعة، مفسحاً المجال لنماذج "الربحية المنضبطة" التي تتبنى استراتيجية "10-20-40"؛ أي تقليل الاستثمارات غير المجدية بنسبة 10%، وإعادة هندسة 20% من الأنشطة لتكون أكثر تقنية، وإعادة تخصيص 40% من رأس المال للأصول ذات العوائد الأعلى والمخاطر الأقل.

 

ولكن، أمام هذا الإفراط في ترويض الأرقام وتدليل المساهمين على حساب الاكتشافات الكبرى؛ هل يدرك مديرو الأموال أن "الدفاتر المحاسبية" مهما بلغت دقتها، لا يمكنها استخراج قطرة نفط واحدة من بئر جفّت بسبب البخل الاستثماري؟"

 

المصادر: أرقام - لوميس سايلز – بي إس كابيتال ماركتس – أليو كابيتال – إتش بي كي إس ويلث – ديلويت – دالاس فيد – أوليفر وايمان – إكسون موبيل – آي إي إف – آبل بودكاست – أفريكا أويل جاز ريبورت – إم إس سي آي – ريسيرش جيت

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا