تجارب أوروبا وفي مقدمتها التشريع الإيطالي الأخير تعكس إدراكاً متنامياً بأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل قوة مؤثرة في القرارات المصيرية، سواء في الرعاية الصحية، أو التعليم، أو إنفاذ القانون، أو التوظيف. اشتراط تقييم المخاطر، وفرض الرقابة البشرية على القرارات الحسّاسة، ووسم المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي، وتأسيس هيئات تنظيمية متخصصة... كلها عناصر تترجم وعياً بأن السلامة والشفافية لا تقل أهمية عن الابتكار نفسه. وبالنسبة لنا في السعودية، فإن النظر إلى هذه التجارب يمنحنا فرصة لتبني أفضل الممارسات مع صياغة إطار ينسجم مع أولوياتنا الوطنية، بدل الاكتفاء باستيراد القوانين كما هي.
الحديث عن «ذكاء اصطناعي بلسان سعودي» الذي تناولته في مقالي السابق لم يكن مقصوراً على اللغة والمحتوى، بل يمتد بطبيعته إلى القواعد المنظمة التي تحكم هذه التقنية في بيئتنا المحلية. إطارنا الوطني يجب أن يعكس هويتنا الثقافية، ويحمي أمننا السيبراني، ويتكامل مع مسار التحوّل الرقمي الذي تقوده رؤية 2030. فالمعايير التي نضعها لأنفسنا اليوم ستحدد موقعنا في الخريطة التكنولوجية غداً، سواء كمُشرّعين فاعلين أو كمستهلكين تابعين.
ملامح هذا الإطار المنشود لا تحتاج أن تبدأ من فراغ؛ بل يمكن أن تبنى على أسس واضحة: تصنيف محلي للأنظمة عالية الخطورة وفق احتياجاتنا، اشتراط مراجعة بشرية في القرارات التي تمس الحقوق والحريات، فرض الشفافية في خوارزميات الشركات العاملة، ووضع ضوابط أخلاقية تنبثق من قيمنا الوطنية والدينية. والأهم أن تكون هذه المعايير ديناميكية، قادرة على التطوّر مع تسارع التقنية بدل أن تتجمد عند نقطة زمنية محددة.
فاليوم، ومع بداية فعلية وجادة للسباق التشريعي العالمي، أصبح من يكتفي بالمشاهدة سيجد نفسه لاحقاً في موقع الملتزم بتطبيق معايير الآخرين لا واضعًا لمعاييره الخاصة. السعودية تملك من المقوّمات والقدرات ما يجعلها لاعباً رئيسياً في صياغة قواعد الذكاء الاصطناعي عالمياً، إذا بادرت لوضع إطار وطني متكامل يوازن بين الابتكار والحماية. الفرصة لا تزال بأيدينا، لكن زمن المبادرة لا ينتظر طويلاً.
أخبار ذات صلة
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.