اقتصاد / صحيفة الخليج

ماذا تعني التحولات التكنولوجية للتصنيع ؟

اليوم، ومع تعهّد الذكاء الاصطناعي بإنجاز مهام كانت حكراً على العمال، يبدو التاريخ وكأنه يعيد نفسه في الولايات المتحدة. ففي مناطق جغرافية تعتمد على التصنيع مثل ولاية إنديانا، يسود قلق عميق بين كثير من الأمريكيين. صحيح أن التكيّف صعب حتى على العاملين في الوظائف الرقمية، لكن إغلاق مصنع كامل بفعل التحولات التكنولوجية قد يعني صعوبة أكبر بكثير، فكيف يمكن لاقتصاد محلي بأكمله أن يغيّر مساره؟
تاريخ عائلتي علّمني أن الأمريكيين يمتلكون قدرة فريدة على التكيّف. وعندما كنت حاكماً لولاية إنديانا، جعلتُ خلق فرص العمل أولوية قصوى. ومن هذا المنطلق، أنا واثق من أن التصنيع لن ينجو فقط في عصر الذكاء الاصطناعي، بل إن هذه التكنولوجيا نفسها ستُسهم في تعزيز هذا القطاع ودفعه إلى الأمام. تحتل إنديانا مراتب متقدمة بين الولايات الخمسين من حيث عدد الوظائف الصناعية والعائدات للفرد. وخلال سنوات عملي في منصب الحاكم، كرّست وقتي لاستقطاب المستثمرين القادرين على الحفاظ على هذه المكانة. وكانت أبرز هواجسهم، وبالتالي هواجسي، تتعلق بتوافر العمالة الماهرة والطاقة الكهربائية.
اليوم، يشكّل تزاوج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات وواجهات التفاعل المتقدمة بين الإنسان والآلة ثورة صناعية جديدة. وعلى عكس المخاوف السائدة، لا يُعد الذكاء الاصطناعي تهديداً للتصنيع الأمريكي، بل ربما يكون أفضل أمل لاستدامة نهضته المتجددة. وتشير دراسة حديثة إلى أن هذا التحول قد يخلق صافي 3.8 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2033.
صحيح أن مصانع المستقبل ستوظف عمالاً أقل من ذي قبل، لكن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستسمح بإنشاء عدد أكبر من المصانع المتخصصة داخل الولايات المتحدة، تنتج طيفاً أوسع من السلع، وفي ظروف أكثر أماناً، ومع ضغوط أقل لنقل الإنتاج إلى الخارج بحثاً عن عمالة أرخص. قد يبدو هذا التوقع غير بديهي، لكن الحقيقة أن الروبوتات الأذكى وفرص العمل الصناعية يمكن، بل يجب، أن يتعايشا في اقتصاد متقدم كاقتصاد أمريكا.
ومن أوضح الأمثلة المبكرة على ذلك مراكز البيانات التي تنتشر اليوم في أنحاء البلاد، رغم ما يحيط بها من انتقادات غير مبررة. فهذه المراكز هي مصانع بحد ذاتها، إذ إن البيانات سلعة عالية القيمة. ووفقاً للاقتصادي جيسون فورمان من جامعة هارفارد، فإن مراكز البيانات والاستثمارات المرتبطة بها كانت مسؤولة عن 92% من نمو الاقتصاد الأمريكي في النصف الأول من عام 2025. من دون هذه الاستثمارات والوظائف، لكان معدل النمو أقرب إلى 0.1% بدلاً من 4.3%. فهل كان ذلك سيعزز أمن الوظائف لأي أحد؟
الذكاء الاصطناعي لن يجعل البشر عاطلين عن العمل، داخل قطاع التصنيع أو خارجه. فهو أداة شديدة القوة، لكنها تبقى خاضعة لتوجيه مستخدميها. وسيظل العمال ضروريين للإشراف على أداء الذكاء الاصطناعي، واكتشاف استخدامات جديدة له، وربطه بتطورات في مجالات أخرى.
ربما تكون المهنة الأكثر تحدياً في هذا السياق هي مهنتي السابقة نفسها «السياسة». فبناء سوق عمل مزدهر في اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي يتطلب من القادة تحدي الوضع القائم، وتشجيع التجريب في السياسات، وإعطاء القرار لمن هم الأقرب إلى المشكلات، وبث التفاؤل الصبور بدلاً من إلقاء اللوم عند أول اختبار.
إعادة تأهيل أنظمة التعليم الأمريكية لعصر الذكاء الاصطناعي ستكون اختباراً حقيقياً لهذه القدرات القيادية. من مناهج المرحلة الابتدائية، إلى تصميم المدارس الثانوية، وصولاً إلى تمويل البحث العلمي في الجامعات الكبرى، يبقى التعليم والسياسة في الولايات المتحدة مترابطين بشكل يجعل التغيير معقداً ومثيراً للجدل. لكن ذلك لا يمكن أن يكون عذراً للتقاعس.
تدريب الطلاب على أساسيات الذكاء الاصطناعي وتقنياته المتقدمة بات ضرورة، ويجب أن يبدأ في المرحلة الثانوية على أبعد تقدير، تماماً كما كانت الصفوف المهنية في أجيال سابقة. فبعيداً عن فرص العمل، يحتاج الشباب إلى فهم حدود هذه الأدوات ومخاطرها.
في اقتصاد الغد، ستغدو كليات المجتمع والمعاهد المهنية، القائمة على التعلم مدى الحياة وبرامج التدريب والتوجيه، عماد التعليم العام والخاص. وفي الوقت ذاته، لا بد من دعم الآداب والعلوم الإنسانية، لأن قدرتها على «تعليم كيفية التعلم» أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى في عصر الذكاء الاصطناعي.
إلى جانب التعليم، تمثل سياسة ركيزة أساسية. فالمدن الصغيرة والمناطق الريفية، بما تملكه من أراضٍ ومواهب غير مستغلة، هي المرشح الطبيعي للاستفادة من نهضة التصنيع المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. لكن تجاهل البنية التحتية للطاقة والمياه قد يعرقل هذا النمو. ولحسن الحظ، تتوافر حلول متعددة، من المفاعلات النووية الصغيرة والآمنة، إلى الطاقة الشمسية والرياح، وربما قريباً طاقة الاندماج.
في نهاية المطاف، يشكل الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي أحد أبرز تحديات الأمن القومي في عصرنا. فالفرصة قائمة أمام أمريكا لتحديد كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تخدم ازدهار الإنسان في إطار الحرية. وإذا أخفقنا في اغتنام هذه الفرصة، فقد نجد أنفسنا مضطرين للعب وفق قواعد يضعها غيرنا.
* حاكم ولاية إنديانا السابق «ذا تايمز»

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا