يعتمد التقدم في المراحل على التنسيق الدقيق بين الطرفين، ففي كثير من الأحيان، يحتاج اللاعب إلى رفع الطرف الآخر إلى منصات مرتفعة، أو انتظار توقيت معين لتشغيل رافعة، أو عبور ألواح خشبية لا تحتمل وزنهما معًا، ويخلق هذا الترابط توترًا دائمًا، خصوصًا في اللحظات التي يفرض فيها النظام مسافة قصوى بين الشخصيتين، بحيث يؤدي الابتعاد الزائد إلى سحبهما قسرًا نحو بعضهما، الأمر الذي يتطلب التنسيق بدقة مع الطرف الآخر خاصة إذا كان لاعبًا حقيقيًا، كما أن مثل هذه الآليات ليست مجرد أفكارًا معاد تدويرها بقدر ما هي انعكاس درامي لفكرة الاعتماد المتبادل من كل طرف على الآخر في عالم ينهار ويحاول كل شخص النجاة بنفسه.
تتصاعد الأحداث تدريجيًا دون اللجوء إلى حوارات مطولة، فالمشاهد السينمائية قصيرة ومركزة، وتأتي غالبًا بعد لحظات توتر أو اكتشاف، وتتجنب اللعبة الحرق المباشر لأي تطور جوهري، لكنها تلمح باستمرار إلى وجود قوة أكبر تتحكم في هذا العالم، سواء تمثلت في الكائنات المطاردة مثل Sniffer، أو في التحولات الغريبة التي أصابت بعض الأطفال في الملجأ، وفي أحد الفصول، يواجه اللاعب كائنات متحجرة تشبه الأطفال، في مشاهد تحمل بعدًا رمزيًا واضحًا عن البراءة المفقودة، وتوضح بما لا يدع مجالًا للشك أن النجاة لا تقتصر على مواجهات كائنات عملاقة مخيفة فقط، وإنما يمكن أن تتجسد في ملامح أطفال أبرياء لا خيار أخر أمامهم سوى مهاجمة كل من تسول له نفسه الاقتراب من منطقتهم.
تتقدم أحدث اللعبة بوتيرة مثالية تجمع بين التأمل والشعور بالوحدة والضآلة في هذا العالم الموحش واسع النطاق، وبين المطاردات والمواجهات المباشرة المعتمدة على خفة الحركة وسرعة البديهة، وسواء كنت تبحر عبر مياه مليئة بالألغام، أو تتسلل في مبانٍ مهجورة لحل ألغاز بيئية قائمة على التوقيت والملاحظة، ستجد نفسك دائمًا تبحث في كل شبر، وتزور كل غرفة للعثور على الأدوات التي تضمن لك المضي قدمًا في طريقك، أو لجمع الأعمال الفنية التي ستكون ذكرياتك الوحيدة من تلك الرحلة المخيفة، على الجانب الآخر القتال ليس محور التجربة وتعتمد أغلب المواجهات على الركض والاختباء، وغالبًا ما يكون التهديد الحقيقي في فقدان الإيقاع أو ارتكاب خطأ بسيط في التقدير، وهو توجه يلائم طبيعة التجربة التي تتحدث عن مخلوقات ضعيفة في مواجهات كائنات مرعبة لم يكن في مخيلتهم أن يروها في أسوأ كوابيسهم.
في الوقت نفسه، لا توجد حوارات مطولة تشرح الخلفيات أو الدوافع لكل شخص تقابله أو وحش يعترض طريقك، لكن التفاعل الجسدي بين الشخصيتين، وانتظار أحدهما للآخر، أو التضحية اللحظية لإنقاذ رفيقه، يمنح العلاقة عمقًا إنسانيًا، حتى الشخصيات الثانوية، مثل الطفل المحبوس أو الشخصيات المقنعة، تُقدم من خلال مواقف مختصرة لكنها تستخدم إسقاطات واضحة، فالصمت هنا ليس فراغًا، بل مساحة للتأويل ولوضع لمستك الخاصة على ما شاهدته وعشته من أحداث.
بعد إنهاء أحداث اللعبة أكثر من مرة توصلت إلى استنتاج قد يتفق معه البعض وقد يعارضه آخرون، أرى أن العنوان يتناول موضوع قسوة البشر ضد الحيوانات، وهو ما يظهر بوضوح في العنوان نفسه وفي بعض المواقف التي تواجهها، مثل القتال الشرس بين الجنود والخروف العملاق، حيث يتم تصوير حيوانٌ بريءٌ على أنه الأكثر شرًا، ربما بسبب سوء معاملته على مر السنين، ناهيك عن الربط بين الأطفال الأيتام وتحولهم إلى حيوانات في بعض المواقف، ما يُشير إلى احتمال تعرضهم لسوء المعاملة أيضًا، لكن بالنظر للإسقاطات والصمت التام الذي يحيط بكل مشهد درامي، أراد المطور أن يتوصل كل لاعب لتفسيره الخاص بحسب ما يراه وما يلائم طبيعة شخصيته.
العالم نفسه هو البطل الصامت، من الطاحونة الصناعية إلى ساحة القطارات، ومن القرية المهجورة إلى الفندق الغارق، كل منطقة تحمل طابعًا بصريًا مختلفًا، لكنها تشترك في إحساس خانق بالعزلة، كما أن البيئات ليست مجرد خلفيات، بل مساحات سردية مليئة بتفاصيل صغيرة، ويشمل ذلك ملصقات ممزقة، وتوابيت مخفية، ومذابح لإضاءة الشموع، وأقنعة برؤوس حيوانات متناثرة في أماكن سرية، هذه العناصر لا تُشرح، لكنها توحي بتاريخ مظلم وأحداث سبقت وصول اللاعب، مما يعزز التأويلات التي أشرنا إليها مسبقًا حول القصة، حيث يمكن لكل لاعب تفسير الأحداث كما يراها من منظوره وستكون كل الاستنتاجات صحيحة ومقبولة في الغالب.
تبدو Reanimal وكأنها رحلة في أعماق الخوف بكافة أشكاله، حيث تتحول الأماكن المألوفة، كدار الأيتام أو القرية، إلى مسارح لكوابيس متجسدة، ولا تشرح اللعبة سبب هذا الانهيار، لكنها تركز على أثره وعلى من تبقى، وعلى محاولات النجاة في عالم لم يعد مألوفًا، كما أن العنوان نفسه يوحي بإعادة تشكل، أو تحوّل قسري، وهو ما يتردد صداه في تصميم الأعداء والأقنعة الحيوانية التي يمكن العثور عليها طوال الرحلة، والمخلوقات المشوهة التي تواجهها وتجمع بين صفات البشر وأشكال الحيوانات.
تعد Reanimal تجربة بصرية وشعورية استثنائية تغوص في أعماق الرعب النفسي بأسلوب فني فريد، حيث تنطلق في رحلة محفوفة بالمخاطر تقتفي أثر الغموض عبر مواقع مهجورة تنطق جدرانها بقصص الماضي الأليم. تنسج اللعبة خيوطها الدرامية من خلال تتابع الفصول حيث تتجلى القصة ليس عبر الحوارات المباشرة المكثفة، بل من خلال السرد البيئي والمواجهات الصامتة مع كيانات كابوسية صُممت بعناية لتعزز الإحساس بمطاردة لا تنتهي، مما يجعل كل خطوة في هذا العالم مشحونة بالتوتر والترقب، سواء كنت تلعب بشكل فردي أو تعاونيًا مع صديق، ولا يعيبها سوى بعض المناطق الشاسعة الفارغة التي تصادفها من حين لآخر والتي تهدف لجعلك تشعر بالوحدة والعزلة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة IGN ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من IGN ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
