تابع قناة عكاظ على الواتساب
لم تعد مكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية ملفاً يُفتح عند الحاجة، ولا حملة تُستدعى عند ارتفاع الصوت، بل أصبحت مسار دولة يُدار بهدوء، ويُنفّذ بثبات، ويُقرأ من نتائجه لا من بياناته. فما نشهده اليوم ليس تصعيداً استثنائياً، بل انتظام مؤسسي يعكس انتقال الدولة من مرحلة الإعلان إلى مرحلة القاعدة، ومن منطق الاستثناء إلى منطق الحوكمة.
وفي هذا السياق، يأتي الإعلان الأخير الذي باشرت فيه هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) عدداً من القضايا المتنوعة، ليؤكد أن هذا المسار لم يعد وصفاً نظرياً، بل ممارسة مستمرة. فالإعلان لا يُقرأ بمعزل عمّا سبقه، ولا يُفهم بوصفه حالة منفردة، بل حلقة جديدة في نمط عمل واضح تتقدّم فيه المساءلة بهدوء، وتتّسع فيه الدائرة دون ضجيج.
اللافت في الجهود الأخيرة لهيئة مكافحة الفساد ليس كثافة القضايا فحسب، بل طبيعتها المتنوعة واتساع نطاقها. فالمساءلة لم تتوقف عند قطاع حكومي تقليدي، ولا عند موظف مدني على رأس عمله، بل امتدت لتشمل قطاعات مختلفة ذات طبيعة متباينة: جهات صحية وخدمية، أمانات ومرافق عامة، أطراف ذات صلة بالعمل العسكري أو الأمني، كيانات في القطاع الخاص، وأشخاص لم يعودوا أصلاً في مواقعهم الوظيفية. هذا التنوع لا يمكن قراءته بوصفه وقائع منفصلة، بل كمشهد واحد متكامل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الفساد كما هو في الواقع، لا كما يُختزل في الصورة النمطية.
الأهم أن بعض هذه القضايا لم يكن جوهرها الاستيلاء المباشر على المال العام، بل ممارسات أخرى لا تقل أثراً على عدالة الدولة، كالتدخل في الإجراءات، أو استغلال النفوذ، أو التوسط للتوظيف لأفراد العائلة، أو تسهيل مسارات كان يفترض أن تحكمها قواعد واضحة ومتكافئة. وهنا يظهر التحوّل الجوهري في المقاربة؛ فالفساد لم يعد يُقاس فقط بما أُخذ، بل بما اختل في الإجراء، وبما تضرر في مبدأ تكافؤ الفرص، وبما تزعزع في ثقة الناس بالنظام نفسه.
وتُحسب لنزاهة ومنسوبيها، إدارتها لهذا الملف بمنهج هادئ ولغة مؤسسية صارمة، بعيداً عن الاستعراض أو الانتقائية. فلا أسماء تُلوَّح، ولا قطاعات تُستثنى، ولا زمن يُتخذ ذريعة للإفلات. بل عمل تراكمي يراكم الثقة، ويؤكد أن النزاهة لم تعد شعاراً أخلاقياً، بل ركيزة من ركائز الدولة المتقدمة.
غير أن هذا التحوّل لم يكن ليتحقّق لولا لحظة تأسيسية واضحة في مسار الدولة، حين قال سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوضوح وحسم إن من دخل في قضية فساد لن ينجو، سواء كان أميراً أو وزيراً أو أيّاً كان، وإن كل من تتوافر عليه الأدلة الكافية سيُحاسَب. لم يكن هذا القول تعبيراً عن حزم عابر، ولا رسالة ردع وقتية، بل إعلان صريح عن طبيعة الدولة التي يُراد بناؤها، وعن البيئة التي لن يُسمح للفساد أن يتنفس فيها.
قيمة هذا القول لم تكن في قوته اللفظية فحسب، بل في ما ترتب عليه. فقد تحوّل إلى مبدأ حاكم، وحُمّلت به مؤسسات الدولة التزاماً صريحاً، ثم تُرك لها أن تُثبته بالفعل، لا بالضجيج. وهنا تتجلى إحدى أهم سمات القيادة: أن تقول ما يعنيه القول، ثم تمضي لتبني منظومة تُجبر نفسها قبل غيرها على الالتزام به، وتحوّل الوعد إلى بيئة عمل لا تسمح بالالتفاف أو التراخي.
بهذا المعنى، لا يُقرأ المشهد الراهن بوصفه حملة، بل ثمرة مسار طويل. مسارٌ أُريد له أن يكون معياراً لجدية الدولة في مواجهة الفساد، لا باعتباره خللاً إدارياً فحسب، بل كونه خطراً استراتيجياً على الثقة والاستقرار والازدهار. ومن هنا، لم تعد مكافحة جذور الفساد شأناً رقابياً فحسب، بل جزء أصيل من مشروع الدولة الحديثة التي تُدار بالقانون، وتُبنى بالمساءلة، وتزدهر بالعدالة.
وفوق ذلك كلّه، باتت الرسالة واضحة لمن أراد أن يقرأها بهدوء: أن الفساد لم يعد رهاناً على الزمن، ولا على التقاعد، ولا على تغيّر المواقع. فالدولة التي اختارت هذا المسار تمتلك من الأدوات النظامية، والآليات المؤسسية، والقدرات التقنية، ما يجعل عينها ساهرة على المال العام، وقادرة على تتبّع المخالفات واسترداد الحقوق ولو بعد حين. هنا لا يُراهن على النسيان، ولا تستباح التبرئة بانقضاء السنوات، ولا تمنح الصفة السابقة حصانة لاحقة. فالمساءلة في هذا النموذج ليست لحظة، بل مسار، ولا تتوقف عند اكتشاف الخطأ، بل تمتد حتى يُستعاد الحق وتُغلق الملفات على عدالة كاملة. وهكذا، لا يخرج القارئ بوعيد، بل بيقين راسخ: أن من دخل في قضية فساد، أيّاً كان موقعه أو زمنه، لن ينجو منها.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
